مقال مميزالتغيرات المناخية الخطر المتربص بالقارة القطبية الجنوبية

مقال مميز

30 مايو

التغيرات المناخية الخطر المتربص بالقارة القطبية الجنوبية

(بقلم: هشام الأكحل)

أوشوايا – كلما تبادرت إلى الذهن القارة القطبية الجنوبية إلا ونستحضر صور الثلوج والجبال الجليدية ودرجات الحرارة المنخفضة جدا، وغيرها من مميزات هذا المناخ شديد البرودة، ولكن في السنوات الأخيرة يبدو أن التغيرات المناخية فرضت إيقاعا آخر، بات يغير شيئا فشيئا من خصائص البيئة والمناخ السائدين منذ ملايين السنين في هذا الجزء من الكوكب.

وفي هذا السياق، يقول خورخي راباسا، المدير السابق للمركز الجنوبي للأبحاث العلمية بأوشوايا، التابع للمجلس الوطني للأبحاث العلمية والتقنية، إنه يمكننا أن نلمس تأثير التغيرات المناخية على المستوى العالمي في منطقتنا بأقصى الجزء الجنوبي من أمريكا الجنوبية ب “تييرا ديل فويغو”، بشكل أساسي، في ذلك التباين الملحوظ في موقع ما يصطلح عليه بخط الثلج الدائم وخط الثلج العابر، نتيجة لارتفاع درجات الحرارة حيث أن مدة الحفاظ على الثلوج على مستوى المرتفعات المنخفضة بجبال الأنديز بهذه المنطقة، أضحت تتقلص باستمرار.
ويوضح الباحث في المركز الجنوبي للأبحاث العلمية، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه بالقرب من موقع هذا المعهد العلمي يتواجد مسار للتزلج كان منذ ثلاثين سنة قبلة لعشاق هذه الرياضة، إلا أنه لم يعد كذلك بسبب عدم وجود ما يكفي من الثلوج خلال فصل الشتاء على مرتفعات قريبة من سطح البحر.

و فيما يتعلق بالجبال الجليدية، يؤكد الباحث راباسا أن ما يحدث هو أن كميات تهاطل الثلوج فوق هذه الجبال لا يتراكم بما يكفي ليكون قادرا على تعويض الكميات الكبيرة من الجليد التي تذوب خلال فصل الصيف، مشيرا إلى أنه و نتيجة لذلك فإن الجبال الجليدية الصغيرة التي تميز المنطقة من المحتمل أن تختفي خلال هذا القرن نتيجة غياب الشرط الأساسي، المتمثل في التساقطات الثلجية على النحو الذي كانت عليه في الماضي.

ويتابع هذا العالم الأرجنتيني، في حديثه للوكالة، بالقول أن هذه الظروف لم يتم معاينتها بأمريكا الجنوبية فحسب، بل أيضا على مستوى شبه الجزيرة القطبية الجنوبية، موضحا أن المسافة الفاصلة بين مدينة أوشوايا وأقصى شمال شبه جزيرة أنتاركتيكا تقدر بنحو ألف كيلومتر فقط، وهناك “لا حظنا كيف أن خط الثلج الدائم انخفض بواقع 200 متر خلال السنوات الـ 25 الماضية تاركا جزءا كبيرا من المناظر الطبيعية دون غطاء ثلجي”، وهذا يعني بالطبع وجود تأثير معين على توافر المساحات التي تتخذها طيور البطريق والطيور البحرية الأخرى مكانا لبناء أوكارها وفضاء لأنشطتها المعتادة.

وحسب راباسا، فإن هناك جانبا آخر تتمظهر فيه بشكل جلي جدا آثار الاحتباس الحراري على مستوى الإقليم ويتمثل في انهيار ما يسمى بالحواجز الجليدية في شبه الجزيرة القطبية الجنوبية التي تذوب و تغمر بشكل جزئي المياه البحرية.

و نتيجة لارتفاع درجات الحرارة تزداد عمليات الدمج بين هذه الحواجز، و بالتالي يحدث تكون جبال جليدية بعضها عملاق يصل طوله إلى عشرات الكيلومترات ينتج عنها ظاهرة ربما لم تحدث منذ مئات الآلاف من السنين هو اختفاء هذه الحواجز الجليدية في النظم الإيكولوجية البحرية.

ومن ناحية أخرى، يؤكد راباسا، أن تشكل هذه الجبال الجليدية العملاقة ينطوي أيضا على مخاطر بالنسبة للملاحة، لا سيما بالنسبة للرحلات البحرية العديدة بأنتاركتيكا التي تأخذ السياح في جولات لزيارة القارة البيضاء.

يبدو أن المناخ بمنطقة “تييرا ديل فويغو” تغير شأنه في ذلك شأن العديد من مناطق الارجنتين والعالم، جراء وجود مسلسل احتباس حراري، يرجح الخبراء أن يكون قد انطلق منذ 1850 بسبب عوامل طبيعية صرفة، لكن سرعان ما ازدادت حدته بفعل ما اقترفته يد البشر.

ولذلك ما فتئ العلماء يدقون ناقوس الخطر لانقاذ كوكب الأرض العليل، وآخر أعراض مرضه تمثل في “ولادة غير مرغوب فيها” لأكبر جبل جليدي في العالم، بعد انفصاله عن القطب الجنوبي.. ولادة سيكون لها ما بعدها، إذا لم تفعل إجراءات الحد من خطر التغيرات المناخية المتربصة بالبشرية جمعاء.

اقرأ أيضا