مقال مميزمتحف محمد السادس لحضارة الماء بمراكش .. أول معلمة متحفية تبرز حكمة المغاربة في مجال اقتصاد الماء…

مقال مميز

02 يونيو

متحف محمد السادس لحضارة الماء بمراكش .. أول معلمة متحفية تبرز حكمة المغاربة في مجال اقتصاد الماء باعتماد معالجة سينوغرافية متنوعة

-إعداد كربي جواد –

مراكش – يعتبر متحف محمد السادس لحضارة الماء بمراكش أول معلمة متحفية حضارية تروم التعريف بجوانب من التراث التشريعي والتفاوضي للمغاربة بخصوص الماء، وإظهار حكمتهم في اقتصاد هذه المادة الحيوية والوقوف على بعض المعتقدات والصور الملهمة المرتبطة بتدبيره باعتماد معالجة سينوغرافية متنوعة.

ويعد هذا المتحف، الذي تم تدشينه في يناير الماضي وفتح أبوابه في وجه العموم منذ الثاني من ماي المنصرم، أول معلمة متحفية متخصصة في تاريخ وحضارة الماء بالمغرب، من شأنه الإسهام في ترسيخ الوعي بقيمة الماء وتغيير نظرة الناس إليه، وكيفية التعامل معه، وإدراك قيمته النابعة من عراقة أساليب جلبه وتسييره وتوزيعه بالمدن العتيقة، وكذا بالبوادي، عبر تقنيات بالغة في الدقة والتنظيم المحكم على مدى تاريخ طويل من حضارة المغرب.

كما يبرز هذا المتحف، المنجز من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على مساحة إجمالية تصل إلى 20 ألف متر مربع بغلاف مالي إجمالي يقدر ب163 مليون درهم، بعض آثار عبقرية المغاربة انطلاقا من التعريف بالدور التاريخي للأوقاف في تدبير الماء.

ويظهر هذا المتحف علاقة الأوقاف (الأحباس) بالماء ودورها التاريخي في تدبيره، ذلك أنه إلى حدود القرن العشرين كانت حقوق الأوقاف مرعية في الماء، حيث حظيت المساجد والسقايات العمومية والميضاءات والحمامات والمدارس بالأولوية في الاستفادة من الماء الحبسي، في حين تم تنظيم الفائض واستغلاله عن طريق الكراء (الجزاء).

ويأتي إحداث هذا المتحف لغاية إظهار الأبعاد الروحية للماء والتعبير عن مشاعر الإكبار لمنجزات جلالة المغفور له الحسن الثاني في ميدان الماء، وعن مشاعر الافتخار بسياسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس في مجال الماء، وإظهار استعمالات هذه المادة الحيوية في جانبي النظافة والطهارة وبعض الاستعمالات الاقتصادية والتقنية التقليدية للماء.

كما أن متحف محمد السادس لحضارة الماء بالمغرب ليس مجرد بناية تختزل أدوات ومعدات مرتبطة بالماء وتاريخه بالمغرب، بل هو مقاربة لفلسفة الماء وكل الحضارة المواكبة له على مدى تاريخ ضارب في القدم منذ ما قبل التاريخ، مرورا بالحقبة الرومانية والقرن الوسيط إلى العصر الحاضر.

ويتوفر المتحف على فضاء للعروض الدائمة بثلاثة مستويات، وآخر للعروض المؤقتة، بالإضافة إلى جناح تربوي يتضمن قاعات للتكوين والإعلاميات، وجناح إداري ومرافق أخرى، إلى جانب عرصة موضوعاتية خاصة بالماء على امتداد ثلاث هكتارات، فضلا عن استنساخات حية للتراث المائي التقليدي (السواقي، المطفيات، والنافورات، ورحى الماء، موزع المياه والناعورة)، وفضاءات لاستعراض أفضل الممارسات الايكولوجية الجيدة للماء ومنصة للعروض الفنية والموسيقية في الهواء الطلق.

كما تعد هذه المعلمة المتحفية، ذات أبعاد شاملة حول موضوع الماء لفائدة الطلبة والجمهور الواسع والتي تحظى بمعالجة سينوغرافية متنوعة معززة بعرض بالصوت والصورة، فضاء علميا ومركزا للتصور المعاصر والتفاعلي، وأرضية للتعلم والتكوين، مطعم بهياكل حقيقية من الموارد المتحفية ضمنها السينوغرافيا، والأدوات، ومجسمات مصغرة، وخرائط، وصور، ووثائق ومخطوطات، ودعائم سمعية بصرية ومنصة متعددة الخصائص.

ولهذا المتحف عدة أوجه، ضمنها البعد الروحي للماء، والاستعمالات الصحية وطقوس الماء، والاستعمال الاقتصادي والتقني التقليدي للماء، والتعريف بالموروث القانوني والتفاوضي في ميدان الماء، وتقدير الحكمة التقليدية للاقتصاد في الماء والتذكير بالعقائد والإستلهامات التقليدية المرتبطة بالماء.

ويعرض في متحف محمد السادس لحضارة الماء أدوات ومخطوطات أصلية ذات قيمة تراثية مضافة تم جمعها من مختلف تراب المملكة، تسرد مختلف الأوجه المرتبطة بالماء، من حيث الاستعمال، والجمع، والتصريف، والتدبير والطقوس، وذلك من خلال المحاور الموضوعاتية العشرة لسرد حكاية الماء وهي الخصائص الفيزيائية والكيميائية للماء والمصادر المائية بالمغرب، وواقع الحال، والتراث المائي القروي التقليدي للأنظمة الإيكولوجية المغربية الكبرى (الواحات، الجبل، السهول والصحراء)، التراث المائي الحضري لثلاث مدن تاريخية (فاس، مراكش وتطوان)، والقانون العرفي وأنماط التدبير التقليدي، ودور الوقف في تدبير المياه الحضرية ، والتقاليد الروحية والطقوس والأعياد المرتبطة بالماء، وسياسة السدود وقانون الماء لصاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني، والإستراتيجية الوطنية للماء والسياسة الرشيدة الجديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ثم أخيرا إكراهات وتحديات المستقبل بخصوص هذه المادة الحيوية.

ولا غرو أن فكرة إحداث هذه المعلمة الفريدة من نوعها لم تأت من فراغ بل أملاها الوعي الراسخ بالأهمية البالغة التي يكتسيها التحسيس بالحفاظ على الماء في ظل تزايد الحديث عن ضرورة ترشيد استعمال هذه المادة الحيوية ضمانا لمستقبل الأجيال الصاعدة وخاصة مع ما يشهده العالم حاليا من تغيرات مناخية تزداد حدتها يوما بعد يوم.

اقرأ أيضا