جهاتالتنقل المستدام.. من أجل الاستجابة للتغير المناخي

جهات

04 نوفمبر

التنقل المستدام.. من أجل الاستجابة للتغير المناخي

(ماريا معتضد)

الدار البيضاء – أضحى التنقل المستدام أو المسؤول بيئيا، في الوقت الراهن، في صميم انشغالات غالبية البلدان، ومن بينها المغرب، بالنظر إلى مساهمته الكبيرة في الاستجابة للتغير المناخي وفي تحقيق نمو اقتصادي مستدام، تستفيد منه الأجيال القادمة.

ومن هنا، بذل المغرب جهودا كبيرة، طيلة هذه العشرية، من أجل النهوض بهذا النمط من التنقل، وذلك عبر إطلاق مشاريع واسعة النطاق تهدف إلى مواءمة البنيات التحتية مع المتطلبات والمعايير الدولية.

ويتعلق الأمر في الواقع باستثمارات ضخمة في شبكة الطرق السيارة وخطوط الترامواي والخط السككي فائق السرعة وتجديد أسطول المركبات الثقيلة وسيارات الأجرة ومسارات الدراجات.. مما يعكس تقدما ملحوظا في مجال تطوير البنية التحتية ووسائل النقل الحديثة والمرنة والمبتكرة، والتي تطمح بشكل أساسي إلى بناء مستقبل يكون فيه التنقل مستداما.

فمن الناحية التقنية، تؤدي الروابط المعززة وتهيئة المسارات، دون شك، إلى تقليص مدة السفر بالنسبة للمواطنين، الذين يختارون بشكل متزايد وسائل النقل العام في تنقلاتهم، وهو ما يتيح إمكانية تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تؤثر سلبا على البيئة.

ومع ذلك، لا يزال هناك عدد من النواقص التي قد تشكل عقبة أمام تطوير التنقل المسؤول إيكولوجيا. وهذا هو مضمون رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي صدر مؤخرا، حول موضوع “التنقل المستدام: نحو وسائل نقل مستدامة ومتاحة”. رأي يسلط الضوء على قطاع أساسي للإدماج الاجتماعي والتغير المناخي والتكامل الدولي.

هذا الرأي الذي تم تبنيه بالإجماع خلال الدورة العادية الـ 121 للمجلس، يرصد فرص تطوير التنقل المستدام في المغرب من أجل تحقيق الرفاه للمواطنات والمواطنين، بفضل تحسين ممارسة حرية التنقل، والحق في الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية وإلى فرص الشغل، وذلك عبر وسائل نقل ذات جودة، وسهلة الولوج وأكثر احتراما للبيئة.

وبشكل ملموس، يكشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أنه على الرغم من الجهود المبذولة، إلا أن نقل الأشخاص والبضائع، في الوسطين الحضري والقروي، يشهد طلبا متزايدا ومتسارعا، في حين أن نموذج الحكامة المعتمد في مجال التنقل قد بلغ مداه، وذلك على وجه الخصوص بسبب اعتماد سياسات عمومية تركز بالأساس على تطوير البنية التحتية الطرقية وعلى السيارات الخصوصية، بدلا من تركيزها على الفرد.

وضمن التوصيات، يدعو المجلس إلى تطوير منظومة مندمجة للتنقّل المُستدام تتوخى بالأساس إدراج حاجيات التنقل المستدام ضمن متطلبات التعمير (لتحسين ولوجهم إلى فرص شغل، والسكن، والمرافق العمومية) وإعداد التراب والتخطيط، وتحسين الولوجية لفائدة جميع المواطنات والمواطنين إلى وسائل نقل جماعي مستدامة، وتطوير بنيات تحتية قروية مستدامة، بهدف التقليل من الاعتماد على العربة الشخصية، والحد من الفوارق المجالية والاجتماعية.

ويتعلق الأمر أيضا بتسريع تنفيذ العقد- البرنامج المتعلق بتطوير منصات لوجيستيكية طرقية بضواحي المدن، مع الحرص على ربطها بالسكك الحديدية، وتحديث مدونة السير والسلامة الطرقية، ووضع المقتضيات القانونية والتنظيمية التي تنسجم مع مبادئ التنقل المستدام، وتحسين الولوجية، والحد من المخاطر على المرتفقين وعلى البيئة، والإرساء التدريجي للحلول التقنية والتكنولوجية المستدامة، بما يتلاءم مع حاجيات مختلف فئات المرتفقين ومع مختلف المستويات الترابية.

+ التنقل المستدام حاضر في مؤتمر (كوب-26) +

موضوع التنقل المستدام حاضر بطبيعة الحال في مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين للأطراف بشأن تغير المناخ (كوب-26) المنعقد في غلاسكو بالمملكة المتحدة.

وتبرز في هذا المؤتمر العديد من التحديات البيئية الرئيسية التي يجب مواجهتها، ولا سيما التنقل والحركية المستدامة (النقل الطرقي النظيف)، بالإضافة إلى التكيف والمرونة، والطبيعة، والتحول الطاقي والتمويل.

وستجرى مفاوضات مكثفة خلال هذا الحدث، الذي يستمر لأسبوعين، من أجل الاتفاق حول الجهود المشتركة التي يتعين القيام بها لبلوغ الهدف الكبير المتمثل في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وتقليل تأثير النشاط البشري على الكوكب.

وبالنسبة للمغرب، يشكل هذا اللقاء الدولي فرصة مناسبة لعرض السياسات والاستراتيجيات الطموحة التي انخرطت فيها المملكة بنجاح، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من أجل ترسيخ أسس التنمية المستدامة، وتشجيع الانتقال الطاقي ودعم التكنولوجيات النظيفة، وذلك في إطار تعزيز المساهمة الفعلية للمغرب في الجهود الدولية في هذا المجال، وفقا لالتزاماته الدولية.
وكان مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الثاني المعني بالنقل المستدام الذي انعقد قبل انطلاق قمة (كوب 26) ببضعة أسابيع، قد تدارس من جهته مساهمة وسائل النقل في الاستجابة للتغير المناخي والنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وأبرز الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خلال هذا المؤتمر، أن جائحة كوفيد -19 أظهرت أن النقل يعد “أكثر من مجرد وسيلة لنقل الأشخاص والبضائع من مكان إلى آخر”، مشددا على أن وسائل النقل ضرورية من أجل تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030 واتفاق باريس بشأن تغير المناخ.
وأشار غوتيريش إلى أن قطاع النقل المسؤول عن ما يفوق ربع الانبعاثات العالمية المسببة للاحتباس الحراري، يعد ضروريا للمضي في المسار الصحيح، مؤكدا على ضرورة إزالة الكربون من وسائل النقل من أجل بلوغ صافي انبعاثات بمعدل صفر بحلول عام 2050.

وقال إن الانتعاش بعد الجائحة يجب أن يقود إلى أنظمة نقل مرنة، مع القيام باستثمارات في مجال التنقل المستدام تدر مناصب شغل وتتيح فرصا للمجتمعات المعزولة.

ووفقا للبنك الدولي، يمكن أن يؤدي التحول إلى النقل المستدام إلى توفير 70 تريليون دولار بحلول عام 2050. ومن الممكن أن يساعد تحسين الوصول إلى الطرق القارة الأفريقية على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء وإنشاء سوق غذائية إقليمية ذات قيمة كبيرة بحلول نهاية العقد الجاري.

وتجدر الإشارة إلى أن رفاه الأجيال القادمة وكوكب الأرض سيعتمد بالتأكيد على التطورات المتعلقة بالتنقل المستدام، الذي يلعب دورا رئيسيا في تعزيز التنمية المستدامة.

اقرأ أيضا